الجاهلون بالعمل الخيري

كتب: محمد بن سعد العوشن

bin_oshan@

ــــــــــــــــــ

العمل الخيري في هذه البلاد عمل عريق، وموغل في القدم، فهو مرتبط بتاريخ هذه الأرض منذ نزول الوحي، وإشراق نور الرسالة، ومستمر حتى عصرنا هذا، يتنوع ويتشكّل ويتكيف مع الأوضاع المجتمعية، ومستجدات الاحتياجات الإنسانية، وهو – أي العمل الخيري- يحقق نجاحات كبرى، وخدمات واسعة للمحتاجين، وأكثر من يعرفه ويشعر به : الفقير والمريض والمدين والراغب في التعلّم، كما يدركه المنفقون الذين يبذلون أموالهم، أو أوقاتهم في هذه المشروعات المباركة.
وأعداد المستفيدين من تلك المشاريع الخيرية كبير جداً، لا يمكن حصره بيسر وسهولة مهما حاولت الجهات معرفة حجم تأثيرها، وعدد مستفيديها.
ولأن العمل الخيري يقوم على تقديم تلك الخدمات لفئات  محددة من الناس، فإن فئة أخرى من المجتمع لا تحتاج لتلك الخدمات ولم تتعرض لها، ، فربما توهم الواحد من هؤلاء أنه لا يوجد عمل خيري فعلي، وأن الأمر لا يعدون أن يكون مسميات تطلق، ولوحات تعلّق، وأموال تجمع..
والحقيقة أنه يمكن لنا أن نتفهّم جهلهم بالعمل الخيري، وبعدهم عنه، وعدم اهتمامهم به، فإن المرء – بطبيعته – يجهل كثيراً من تفاصيل وأمور الحياة التي لم يطّلع عليها، ولم يباشرها، غير أن عدم المعرفة بطبيعة المشروعات المقدّمة، والشرائح المستهدفة، وحجم العمل وتأثيره الكبير، لا يبرر لهم أن يطلقوا الأحكام جزافاً، وينفوا وجود تلك الأعمال، فـ(عدم العلم بالشيء ، ليس علماً بعدمه) كما يقول الأصوليون، وليس من حق الجاهل بالشيء أن يتوقع صورة ذهنية قاصرة في خياله ويبني عليها أحكامه، ثم ينشر تلك التصورات الخاطئة التي تشكلت لديه وكأنه جاء بما لم يأت به الأوائل!
وليس مطلوباً من الجهات الخيرية المنشغلة بالعمل، وبذل الجهد، ومساندة القطاع الحكومي في سدّ احتياجات المحتاجين، ليس مطلوباً منهم ترك أعمالهم تلك، والتفرّغ لأولئك لإشعارهم بتفاصيل ما يصنعون.
ومن خلال تتبع لعدد من الذين سخروا أقلامهم في الصحافة أو في وسائل التواصل للهجوم على العمل الخيري والنيل منه، وإطلاق التهم عليه جزافاً، وجدت أن أغلبهم لا يعرف أي معلومة عن عدد الجمعيات الخيرية، ولا مجالات عملها المحددة لها، ولا أنشطتها، ولا نطاقها الجغرافي، ولا ميزانياتها، ولا أسلوب إدارتها، ولا حدود صلاحيتها، ولا يعرف شيئاً عن آلية تشكيل مجالس الإدارة، وطبيعة الرقابة على الجهات، وحوكمة أعمالها، ولهذا فإنه يفترض أن الجهات الخيرية قد جمعت مبالغ فلكية من التبرعات الخيرية، ويتسائل: أين ذهبت تلك “المليارات”!، مع أنه لم يدخل جمعية في حياته، ولم يتبرع لجمعية قط، ولم يمارس عملاً خيرياً، ولم يذهب للمحتاجين ليعرف طبيعة مشكلاتهم، ولم يكلّف نفسه سؤال المستفيدين عن الخدمات المقدمة لهم، فهو يصدر أحكامه من اللاشيء، ويطلق كلامه على عواهنه.
ولهذا لا تتعجب من تسطيح بعضهم للقضايا، حين يوجه اللوم – بكل ثقة- للجمعيات الخيرية لأنها رغم كل تلك السنين و”مليارات الريالات” التي جمعتها، لم تقم بحل مشكلة الفقر والقضاء عليها!، مع أن كل عاقل يدرك أن “الفقر” مشكلة أزلية لا يمكن أن تزول إلى قيام الساعة، وأنها ضخمة وواسعة النطاق، ومتشعبة الأسباب، ولذا عجزت “الدول” بكل موازناتها الضخمة عن حلها، فكيف بالجمعيات، وفي هذا السياق فإن الميزانية الحكومية الضخمة المرصودة للضمان الاجتماعي في المملكة بلغت قبل 3 سنوات 27 مليار ريال، كما ارتفعت فروع الضمان الاجتماعي من 76 فرعاً إلى 112 فرعاً ، ومع ذلك لا زال الفقر موجوداً وسيظل، لأن الفقر ثقافة وبيئة وسلوك ونمط معيشي معقد، وظروف اقتصادية واجتماعية متداخلة.
والحقيقة المشاهدة أن من يريد فرد عضلاته، والتظاهر بالشجاعة، ومحاولة الصعود على أكتاف الآخرين، فإنه يبحث عن “جدار قصير، آمن العواقب” يمكنه صعوده، والنيل منه، ويكون “القطاع الثالث” -وللأسف- هو ذلك الجدار، إذ ليس له من يوقف المتطاولين عليه عند حدودهم بالقانون والنظام.
وهذا لا يعني بأي حال المطالبة بمنع توجيه الانتقادات للعمل الخيري، أو افتراض العصمة للعاملين فيه، ولا لمؤسساته، غير أن النقد الهادف المبني على الحقائق شيء، والتهم المبنية على الأوهام والظنون، والقيام بممارسة تشويه السمعة المتعمد .. شيء آخر تماما.
فهل يسعى القطاع ممثلاً بمنظماته، أو مجالسه التنسيقية أومركز القطاع الثالث، أو وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية برصد المتجاوزين، وتعريفهم بتجاوزهم، وإيقاف ذلك التجاوز، ومحاسبة غير المنضبطين؟

المقالات الموجودة في المدونة تعبر عن رأي الكاتب

للنشر والمشاركة